أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
127
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
من ذلك عدم الربط بين المبتدأ والجملة الواقعة خبرا عنه ، وأيضا فإن الصلة ماضية معنى . فإن قيل : يكون « الذين » بدلا من « أولئك » فالجواب أن يصير الموصول مخصوصا لإبداله من مخصوص ، والصلة أيضا ، ماضية . فإن قيل : يكون « الذين » صفة لأولئك ويصير نظير قولك : « الرجل الذي يأتيني فله درهم » فالجواب : أنه مردود بما ردّ به السؤال الثاني ، وبأنه لا يجوز أن يكون وصفا له لأنه أعرف منه فبان فساد هذا القول . والمشهور ضمّ واو « اشتروا » لالتقاء الساكنين ، وإنما ضمّت تشبيها بتاء الفاعل . وقيل : للفرق بين واو الجمع والواو الأصلية نحو : لو استطعنا ، وقيل : لأن الضمة هنا أخفّ من الكسرة لأنها من جنس الواو . وقيل : حرّكت بحركة الياء المحذوفة ، فإنّ الأصل اشتريوا كما سيأتي . وقيل : هي للجمع فهي مثل : نحن . وقرئ « 1 » بكسرها على أصل التقاء الساكنين ، وبفتحها : لأنه أخفّ . وأجاز الكسائي همزها تشبيها لها بأدؤر وأثؤب وهو ضعيف ، لأن ضمّها غير لازم ، وقال أبو البقاء : « ومنهم من يختلسها ، فيحذفها لالتقاء الساكنين وهو ضعيف جدا ؛ لأن قبلها فتحة والفتحة لا تدلّ عليها » . وأصل اشتروا : اشتريوا ، فتحرّكت الياء وانفتح ما قبلها ، فقلبت ألفا ، ثم حذفت لالتقاء الساكنين ، وبقيت الفتحة دالّة عليها ، وقيل : بل حذفت الضمة من الياء فسكنت ، فالتقى ساكنان ، فحذفت الياء لالتقائهما . فإن قيل : فواو الجمع قد حرّكت فينبغي أن يعود الساكن المحذوف ، فالجواب أن هذه الحركة عارضة ، فهو في حكم الساكن ، ولم يجيء ذلك إلا في ضرورة شعر ، أنشد الكسائي : 203 - يا صباح لم تنام العشيّا فأعاد الألف لمّا حرّكت الميم حركة عارضة . و « الضَّلالَةَ » مفعوله ، و « بِالْهُدى » متعلّق ب « اشْتَرَوُا » ، والباء هنا للعوض وهي تدخل على المتروك أبدا فأمّا قوله تعالى : فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ « 2 » فإنّ ظاهره أنّ الآخرة هي المأخوذة لا المتروكة ، فالجواب ما قاله الزمخشري - رحمه اللّه تعالى - من أن المراد بالمشترين المبطئون وعظوا بأن يغيّروا ما بهم من النفاق ويخلصوا الإيمان باللّه تعالى ورسوله ويجاهدوا في اللّه حقّ الجهاد ، فحينئذ إنما دخلت الباء على المتروك . والشراء هنا مجاز عن الاستبدال بمعنى أنهم لمّا تركوا الهدى ، وآثروا الضلالة ، جعلوا بمنزلة المشترين لها بالهدى ، ثم رشّح هذا المجاز بقوله تعالى : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ فأسند الربح إلى التجارة ، والمعنى : فما ربحوا في تجارتهم ، ونظير هذا الترشيح قول الآخر : 204 - بكى الخزّ من روح وأنكر جلده * وعجّت عجيجا من جذام المطارف « 3 » لمّا أسند البكاء إلى الخزّ من أجل هذا الرجل - وهو روح - وإنكاره لجلده مجازا رشحه بقوله : « وعجّت المطارف من جذام » أي : استغاثت الثياب من هذه القبيلة ، وقول الآخر :
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 71 ) . ( 2 ) سورة النساء ، آية ( 74 ) . ( 3 ) البيت لحميدة بنت النعمان . انظر الكتاب ( 2 / 25 ) ، الأغاني ( 9 / 229 ) ، السمط ( 180 ) ، المقتضب ( 3 / 364 ) ، البحر ( 1 / 72 ) .